الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي

478

المنقذ من التقليد

أوليس من المعلوم أنّه لو غيّر كتاب معروف في فنّ من فنون العلم متداول بين أرباب ذلك العلم ، ككتاب سيبويه في النحو ، أو إصلاح المنطق في اللغة ، أو القدوريّ في الفقه ، أو المنصوريّ في الطب ، بإسقاط البعض منه أو زيادة شيء فيه أو تقديم مؤخّر أو تأخير مقدّم ، لعرفه العالمون بذلك الكتاب المدرّسون منه والمتعلّمون المتدرّسون منه ، ولأنكروه ولردّوه إلى الأصل المعلوم المقرّر عندهم فيه ، ولخاصموا من نازعهم في ذلك . وكذا القول في الدواوين المعروفة للشعراء ، كديوان أبي تمّام والبحتريّ والمتنبّي . ومن المعلوم أن دراسة هذه الكتب والدواوين ليس كدراسة القرآن وتلاوته في الكثيرة ، وانصراف الهمم إلى مراعاة هذه الكتب وحفظها لا يبلغ حدّ انصراف الهمم والعنايات من عوام المسلمين وخواصّهم إلى مراعاة القرآن وحفظه ودراسته وتلاوته والتمييز بين وجوه القراءات المختلفة فيه ووجوه العلل التي فيها الذي يعرفه القرّاء ويعتنون به . فإذا لم يتمّ التغيير والتبديل في شيء ، ممّا ذكرناه مع انخفاض رتبته عن القرآن بكثير في ماله ولأجله لا يتطرّق إليه التغيير كيف يتمّ ويتصوّر ذلك في القرآن . هذا على أنّه قد وعد بحفظ القرآن من التغيير بقوله تعالى : « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ » « 1 » فصحّ وتحقّق أنّ ما قالوه غير ممكن ، ويلزم على ما قالوه وجوّزوه الجهالات التي ألزمناها من جوّز تغيير الفاتحة . فإن قيل : أليس قد روي عن الصحابة إنكار بعضهم على بعض في الزيادة فيه والنقصان منه ؟ كالرواية عن ابن مسعود في المعوذتين أنّهما ليستا من القرآن وأنّ سورتي القنوت من القرآن . وعن أبيّ عكس ذلك ، وهو أنّ المعوذتين من القرآن وسورتي القنوت ليستا من القرآن ، وإنكاره على ما قاله ابن مسعود ،

--> ( 1 ) الحجر : 9 .